محمد بن جرير الطبري

121

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

القول في تأويل قوله تعالى : فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم محذرا مشركي قومه من حلول عاجل نقمه بساحتهم نحو الذي حل بنظرائهم من قبلهم من سائر الأمم الخالية من قبلهم السالكة في تكذيب رسل الله وجحود توحيد ربهم سبيلهم : فهل ينتظر يا محمد هؤلاء المشركون من قومك المكذبون بما جئتهم به من عند الله ، إلا يوما يعاينون فيه من عذاب الله مثل أيام أسلافهم الذي كانوا على مثل الذي هم عليه من الشرك والتكذيب الذين مضوا قبلهم فخلوا من قوم نوح وعاد وثمود ، قل لهم يا محمد : إن كانوا ذلك ينتظرون ، فانتظروا عقاب الله إياكم ونزول سخطه بكم ، إني من المنتظرين هلاككم وبواركم بالعقوبة التي تحل بكم من الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ يقول : وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، في قوله : فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ قال : خوفهم عذابه ونقمته وعقوبته ، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر أنجى الله رسله والذين آمنوا معه ، فقال الله : ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك انتظروا مثل أيام الذين خلوا من قبلكم من الأَمم السالفة الذين هلكوا بعذاب الله ، فإن ذلك إذا جاء لم يهلك به سواهم ، ومن كان على مثل الذي هم عليه من تكذيبك ، ثم ننجي هناك رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن آمن به وصدقه واتبعه على دينه ، كما فعلنا قبل ذلك برسلنا الذين أهلكنا أممهم فأنجيناهم ومن آمن به معهم من عذابنا حين حق على أممهم . كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ يقول : كما فعلنا بالماضين من رسلنا فأنجيناها والمؤمنين معها وأهلكنا أممها ، كذلك نفعل بك يا محمد وبالمؤمنين فننجيك وننجي المؤمنين بك حقا علينا غير شك . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين عجبوا أن أوحيت إليك إن كنتم في شك أيها الناس من ديني الذي أدعوكم إليه فلم تعلموا أنه حق من عند الله فإني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأَوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن شيئا ، فتشكوا في صحته . وهذا تعريض ولحن من الكلام لطيف . وإنما معنى الكلام : إن كنتم في شك من ديني ، لا ينبغي لكم أن تشكوا فيه ، وإنما ينبغي لكم أن تشكوا في الذي أنتم عليه من عبادة الأَصنام التي لا تعقل شيئا ولا تضر ولا تنفع ، فأما ديني فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه ، لأَني أعبد الله الذي يقبض ، الخلق فيميتهم إذ شاء وينفعهم ويضر من يشاء ؛ وذلك أن عبادة من كان كذلك لا يستنكرها ذو فطرة صحيحة ، وأما عبادة الأَوثان فينكرها كل ذي لب وعقل صحيح . وقوله : وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ يقول : ولكن أعبد الله الذي يقبض أرواحكم فيميتكم عند آجالكم . وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يقول : وهو الذي أمرني أن أكون من الصادقين بما جاءني من عنده . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً يقول تعالى ذكره : وأمرت أن أكون من المؤمنين ، وأن أقم . و " أن " الثانية عطف على " أن " الأَولى . ويعني بقوله : أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ أقم نفسك على دين الإِسلام حنيفا مستقيما عليه ، غير معوج عنه إلى يهودية ولا نصرانية ولا عبادة